محمد متولي الشعراوي
4396
تفسير الشعراوى
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ( من الآية 160 سورة الأعراف ) هذا القول يدلنا على الإعجاز المطلق ، فمرة أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينبجس منه الماء ، وهكذا نرى طلاقة قدرة اللّه في أن يعطى ويمنع بالشئ الواحد ، ولم يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد اللّه يحركها كيف يشاء . ولذلك رأينا أمر اللّه حين ضرب موسى البحر بعصاه ، فصار كل فرق كالطود ، أي كالجبل ، وامتنعت السيولة ، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة ، فأوحى له اللّه : اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً . أي اتركه كما هو عليه ؛ لأن اللّه يريد أن يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقا موجودا بين الماء ، فيحاولوا النفاذ منه وراء موسى وقومه ، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد الماء إلى سيولته فغرق فرعون وقومه . وهكذا أنجى اللّه وأغرق بالشئ الواحد ، وكذلك في أمر العصا ؛ إنها هي حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق كالطود والجبل الشامخ ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء ، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب . اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ( من الآية 160 سورة الأعراف ) وهنا تعبير « انبجست » ، وهناك تعبير « انفجرت » ، ونعلم أن الانبجاس يحدث أولا ثم يتبعه الانفجار ثانيا ؛ فالانبجاس أن يأتي الماء قطرة قطرة ، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة ، فكان موسى عليه السلام أول ما يضرب الضربة تأتى وتجىء المياه قليلة ثم تنفجر بعد ذلك . إذن فقد تكلم الحق عن المراحل التي أعقبت الضربة في لقطات متعددة لمظهر واحد ؛ له أولية وله آخرية . وحين تكلم أمير الشعراء عن عطاء اللّه وقدرته قال :